dimanche 22 février 2009

الهــــريريـــــات الجزء 3


الهريـــريــات
الــــــجزء الثـــــالث
لكل صحابي من صحابة بطل الله مناقب و مآثر يذكر بها اسمه ،إلا فّّناننا فمناقبه كانت مهازل و عجائب ،و مسخرات و غرائب . لذا سنحاول في هذا الجزء من الهريريات الوقوف على بعض النّواحي الهزلية في شخصية فنانا العجيبة عجب لوحاته الكاريكاتورية
فممّا يؤثر عنه أنه كان طفيليا شديد الّنهم ، يتكفف الأبواب و يستكفّ الناس، و قد لازمته هذه الصّفة طوال حياته ، حتى لقد جاءت الرّواية الصحيحة أنه لما نشب القتال في صفين بين علي و معاوية ـ كان يأكل على مائدة معاوية الفاخرة ، و يصلي خلف عليّ ، و إذا احتدم القتال لزم الجبل ـ (ص :64 ج1 شذرات الذّهب في تاريخ من ذهب لابن العماد الحنبلي) و لمّا سئل في ذلك قال:ـ مضيرة معاوية أدسم، و الصّلاة خلف عليّ أفضل ـ 
فسمّي بشيخ المضيرة في زمانه و فنّان المضيرة منذ اليوم.
 و المضيرة كانت من أفخم الأطعمة في زمانها ، فهي لحم يطبخ باللبن و ربما خلط بالحليب و هو الأجود ،ثمّ يضيفون إليه من الإبزار ما يوفّّر اللذة في طعمه ، و له مريقة يحمدون أكلها، و يقول الأستاذ محمد عبده في شرح مقامات بديع الزمان :
 ربّما تكون لبنية بلاد الشام هي المضيرة . إلا أنها و بفضل فنّاننا ستنال من الشّهرة و الذّيوع و الخلود ما لم ينله صنف آخر من الطعام، ذلك لعناية الكتاب و الشعراء الكبيرة بها. فقد ظلّوا يتندّرون بها ، و يغمزون فنّاننا من أجلها قرونا طوالا
قال الثعالبي في كتاب (ثما ر القلوب في المضاف و المنسوب ص86 ـ 87) ما يلي
 كان أبو هريرة على فضله و اختصاصه بالنّبي مزّاحا أكولا و كان يدّعي الطّبّ فيقول : أكل التمر أمان من القولنج ، و شرب العسل على الريق أمان من الفالج، و أكل السفرجل يحسن الولد ، و أكل الرّّّمّان يصلح الكبد، والزبيب يشدّ العصب ،و يذهب الوصب و النصب، و الكرفس يقوّي المعدة ، و القرع يزيد في اللبّ و يُرقّ البِشْرة ، و أطيب اللحم الكتف و حواشي فقار العنق و الظهر. و كان يديم أكل الهريسة و الفالوذج و يقول : هما مادّتا الولد ، و كان يعجبه المضيرة جدّا، فكان يأكل مع معاوية فإذا حضرت الصلاة صلّى خلف علي(ض) ، فإذا قيل له في ذلك قال : مضيرة معاوية أدسم ،و الصلاة خلف عليّ أفضل، و كان يقال له (شيخ المضيرة) و فيه يقول الشاعر
  و تولّى أبو هريرة عن نصـ
ـر عليّ ليستفيد الثريــــــــدا

و لعمري إن الثريد كثيــــــر
للذي ليس يستخفّ الهبيـــدا
( و الهبيد هو حب الحنضل الذي كان يطحنه الناس في أيام الجدب)
و في ربيع الأبرار نجد الزمخشري يقول :
 و كان أبو هريرة يعجبه المضيرة فيأكلها مع معاوية ، و إذا حضرت الصلاة ، صلّى خلف علي فإذا قيل له في ذلك قال: مضيرة معاوية أدسم و الصلاة خلف علي أفضل، و كان يقال له شيخ المضيرة
و في شذرات الذّهب في أخبار من ذهب للعماد الحنبلي :
وكان أبو هريرة يصلّي خلف عليّ و يأكل على سماط معاوبة و يعتزل القتال و يقول :
 الصّلاة خلف علي أتمُّ ، و سماط معاوية أدسم ، و ترك القتال أسلم.
 و في كتابه روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار يقول محمد بن يعقوب في باب الطعام و ألوانه :
إن أول من صنع المضيرة معاوية ، و إنّ أبا هريرة كان يستطيبها و يأكل عنده في أيام صفين و يصلي خلف علي و بذلك سمّي شيخ المضيرة ,و موقعة صفين كانت في شهر صفر سنة 38 للهحرة
أمّا بديع الزمان الهمداني فقد عقد مقامة خاصة من مقاماته سمّاها ـالمقامة المضيريةـ غمز فيها فنّاننا غمزة أليمة:
حدّثنا عيسى بن هشام ، كنت في البصرة و معي أبو الفتح الإسكندري ، رجل من الفصاحة ، يدعوها فتجيبه ، و البلاغة يأمرها فتطيعه ، وحضرنا معه دعوة بعض التّجّار فقدّمت إلينا مضيرة ، تثني على الحضارة ، و تترجرج في الغضارة ، و تؤذن بالسلامة ـ و تشهد لمعاوية بالإمامة ! ـ و في أمر شرح هذه العبارة نجد الأستاذ محمد عبده يقول  
و معاوية إدّعى الخلافة بعد بيعة علي بن أبي طالب ، فلم يكن من يشهد له بها في حياة علي ، إلا طلاب اللذائذ ، و بغاة الشهوات ، فلو كانت هذه المضيرة من طعام معاوية لحملت آكليها على الشهادة له بالخلافة ، و إن كان صاحب البيعة الشرعية حيّا ـ ( ص 109).. و لقد حملت فعلا فنّاننا و غيره على الشهادة لمعاوية بالخلافة !
و إذا كان استاذنا الإمام لم يذكر أبا هريرة صراحة إلا أنّه قد وفّاه حسابه تلميحا تماما كما فعل الهمداني
و في الحلية لأبي النعيم أن أبا هريرة كان في سفر فلمّا نزلوا وضعوا السّفرة و بعثوا إليه و هو يصلي فقال إني صائم ! فلما كادوا يفرغون ، جاء فجعل يأكل الطّعام فنظر القوم إلى رسولهم ! فقال : ما تنظرون ! قد و الله أخبرني أنه صائم . فقال أبو هريرة صدق . إني سمعت رسول الله (ص) يقول: صوم رمضان و صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدّهر ، و قد صمت ثلاثة أيام من أوّل الشهر فأنا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله, و هذا الخبر أورده ابن كثير بتغيير في بعض الألفاظ (ص111 ج8 البداية و النهاية)
و في خاصّ الخاصّ للثعالبي (ص 43 ) 
 ـ كان أبو هريرة يقول ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز، و ما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر ! ـ ما أجوعك يا فنّان المضيرة!
؛ و كما ، من نهمه ؛جعل الأكل من الطّبّ ،كما سبق أن ذكرنا على لسان الثعالبي،
 فإنّه جعله من المروءة! فقد سئل ما المروءة ؟ فقال تقوى الله و إصلاح الصنيعة و الغداء و العشاء بالأفنية !
و آخر دعوانا في باب نهم فنّان المضيرة دعاؤه الوارد في البداية و النهاية و في ربيع الأبرار للزمخشري:
اللهم ارزقني ضرسا طحونا ، و معدة هضوما ، و دبرا نثورا
 كمأ أجمع مؤرخو فنّاننا على أنه إلى جانب نهمه كان رجلا مزّاحا ، يتودّد إلى الناس و يسليهم بكثرة مزاحه و بالإغراب في قوله ، ليشتدّ ميلهم إليه و يزداد إقبالهم عليه.
قالت أعلم النّاس به عائشة بنت أبي بكر في حديث المهراس : رحم الله أبا هريرة ،لقد كان رجلا مهذارا ـ ( الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ، ص 106 )
و إليك يا سيدي بعض ما ورد في مزاحه و هذره
عن أبي رافع قال : كان مروان بن الحكم ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حمارا قد شدّ عليه برذعة و في رأسه خلبة( حلقة) من ليف ،فيسير فيلقى الرّجل فيقول : الطّريق ، قد جاء الأمير ! و ربما أتى الصبيان و هم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون حتى يلقي نفسه بينهم و يضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرّون ـ 
( ص 121 من كتاب المعارف لابن قتيبة)
و رواية ابن كثير : كأنه مجنون يريد أن يضحكهم فيفزع الصبيان منه ، و يفرّون هنا و ههنا يتضاحكون ـ ( ص 113 ج8 من البداية و النهاية ).و عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال :
أقبل أبو هريرة في السّوق يحمل حزمة حطب ـ و هو يومئذ خليفة لمروان فقال : أوسع الطريق للأمير (ص 442 ج8 البداية و النهاية)و يضيف أبو نعيم في الحلية ـ يا أبن أبي مالك ، فقلت 
له : يكفي هذا ، فقال : أوسع الطريق للأمير و الحزمة عليه ـ
في الجزء المقبل سنتابع كيف و متى أقصي فنّان المضيرة غفر الله له من المدينة
و إلى اللقاء
في حلــقة أخرى من هريريات أبي هريرة

أبـــــــــــــو قـــــــــــثم

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire