mardi 26 mai 2009

روح الإســلام السيــاسي

لا شك أن إرهاب الإسلامويين والتنظيمات الإجرامية الراهنة تجد جذورها الأولى في بنية دولة الإسلام السياسي .

لنقم بإطلالة قصيرة على حرية الاعتقاد والتعبير قبل مجيء الإسلام عند قريش ، ونقوم بمقارنات للإرتكاس الذي حدث بعد تأسيس أول دولة إسلامية .

إن سوق عكاظ كان مركزا حيويا للأفكار وللتبادل الثقافي والفكري ، وهو ما يؤكد أن قريش لم تكن بالتخلف والعصبية لآلهتها كما يحاول أن يرسمه مؤرخو الإسلام السياسي .

ها هو قس بن ساعدة الإيادي يجهر بدعوته بكل حرية وهو الذي قال الرسول عنه : ما أنساه بعكاظ وهو القائل : أيها الناس اجمعوا واسمعوا وعوا ، من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت . إن في السماء لخبرا ، وإن في الأرض لعبرا . مهاد موضوع وسقف مرفوع ، ونجم تمور ..أين الأباء والأجداد وأين المريض والعواد وأين الفراعنة الشداد .. أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال أنا ربكم الأعلى ، ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأطول منكم آجالا ..كلا ، بل هو الله الواحد المعبود ، ليس بوالد ولا مولود ...

فلماذا لم تضايق قريش قس بن ساعدة ؟ بل لماذا لم تضايق الكثير من القبائل العربية هؤلاء الأنبياء الذين تحدثوا عن نبوتهم قبل بعثة الإسلام ؟؟ نسوق كمثال آخر ، النبي خالد بن سنان الذي عندما قدمت ابنته وهي عجوز على النبي محمد تلقاها بخير وأكرمها وبسط لها رداءه وقال لها مرحبا بابنة أخي ، مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه ، فأسلمت . وأخبار الأنبياء في الجزيرة العربية قبل بعثة الإسلام معروفة كحنظلة بن صفوان مثلا ، وابن الهيمان الذي كان يصلي خمسا في الجاهلية وكان يستسقي للقوم فينزل المطر، وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال عنه الرسول إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده ، وهو من الذين فارقوا قومهم في عبادة الأوثان وأتوا بشرائع تشبه شريعة الإسلام قبل البعثة ، وعبيد الله بن جحش الذي أسلم وتنصر بعدها وكان يقول للمسلمين : فتحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا . وعثمان بن الحويرث الذي كان يقول : ما أصبح أحد منكم على دين ابراهيم غيري حتى أن عمه الخطاب أخرجه من مكة وأسكنه حراء ، وقد مات قبل البعثة . وأمية بن أبي الصلت الذي أول من كتب باسمك اللهم والذي قال لقريش أن طيرين جاءا وشقا صدره وانتزعا الشيطان منه ، وأشعار أمية من أبي الصلت مشهورة أقر أكثرها القرآن .



فكل هؤلاء رغم أنهم كانوا يدعون النبوة ويدعون لوحدانية الله ولشرائع تشبه إلى حد كبير شريعة الإسلام لم تهاجمهم قريش كما فعلت مع الإسلام . سؤال ينبغي أن يكون حاضرا في الذهن .
هذا إضافة إلى النصارى الذين كانوا يتعبدون بطرائقهم المختلفة ، فكما تورد المصادر أنه كانت فرق نصرانية منتشرة في الجزيرة العربية كالنسطورية الذين قالوا أن عيسى ابن الله واليعقوبية الذين قالوا أن عيسى هو الله والملكانية الذين قالوا عيسى عبد الله ونبيه ، وهو ما حسم فيه القرآن منتصرا للفرقة الملكانية التي تقول بعدم ألوهية عيسى .
كما أن الكاهن خِطر عندما سألته قريش عن النجوم والشهب قبل البعثة قال : أصابه أصابه جمع وصب كجمل وجمال خامره عقابه عاجله عذابه أحرقه شهابه .. وقال عندما سألوه من الذي سيبعث أجاب : الله أكبر جاء الحق وظهر وانقطع عن الجن الخبر .. لا إله إلا الله . وقد قال الرسول عنه : سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده .

لم يهاجموا الكاهن خطر ولم يقتلوه . فهذه الاعتقادات كلها وهذا التعبير عن الدين أو إدعاء النبوة والكهانات لم يكن مشكلة في حد ذاته ، بل إن الأمر لم يكن عصبية دينية بالمطلق ، بقدر ما كان صراعا سياسيا إقتصاديا من جهة ونتيجة للعنف الدموي والرغبة في محو الآخر من طرف الدولة الإسلامية من جهة أخرى . بل أنه حتى لما جاء أبرهة لهدم الكعبة قبل مجيئ الإسلام ، قال عبد المطلب لأبرهة الحبشي : أنا رب الإبل والخيل ، وأما البيت فله رب يحميه . فالنقاش الذي كان بين جد الرسول عبد المطلب وأبرهة لم يكن لحماية الكعبة أو محاولة رد أبرهة عنها ، بل كان طلبا لجمال كان قد احتجزها أبرهة ،عندما رأى أن قومه لا قبل لهم بالحرب

لماذا قبلت قريش بظهور هؤلاء الأنبياء وأنصتت لهم في عكاظ وفي مجالسها وتداولت أقوالهم ، بينما كانت ثمة حربا طاحنة دارت رحاها مع الإسلام ؟

لنر كيف كانت دعوة الرسول في عائلته ، وتفاعلاتها مع العائلات الأخرى في قريش .
ليس من داع للحديث عن كيفية تثبيت خديجة للرسول حيث أخدته إلى عداس وإلى ورقة بن نوفل ليؤكدوا للرسول أنه رسول فعلا . أو الحديث عن علي الذي أسلم وعمره 8 سنوات لأنه كان يعيش مع الرسول في بيته وهو بمثابة ابنه ... لنتحدث عن المراحل الأكثر توترا والأكثر عمومية ، فعندما جمع الرسول محمد عائلته ليعرض عليهم الإسلام ، وكان موقف عبد العزى واضحا من الدين الإسلامي منذ البداية ، بل حتى أن عمات الرسول نصحنه بأن لا يدعو عمه عبد العزى لهذا الاجتماع لأنهن كلهن يعرفن موقفه بوضوح . لكن ، لنتذكر أنه بالرغم من رفض عبد العزى للإسلام مبدئيا فإنه حضر إلى الاجتماع مما يبين الأخلاق التي كانت سائدة وقداسة العائلة وآصرة القرابة التي سرعان ما سيقطعها الإسلام السياسي بتغليب العلاقة الدينية والتشريع لقتل الأب والابن والأخ وكل العائلة إذا كان ثمة اختلاف في الدين كما حدث في غزوة بدر ، فقريش وقبلهم عائلة بنو هاشم كانت تضع العلاقة العائلية أولا حتى وإن تعارضت الأفكار والمعتقدات فيها ، وهو ما يعتبر قيمة إنسانية عالية باعتبار الدين وحرية التعبير مسألة عابرة ويجوز الاختلاف فيها بينما العلاقة الإنسانية من خلال العلاقة العائلية هي الجوهر . بل أن عبد العزى ولو أنه قال له تبا لك ألهذا جمعتنا عندما عرف بمضمون الاجتماع ، بمعنى أنه لم يكن يتوقع أن يدعوه الرسول ليعيد عليه هذه الأمور وقد عرف موقفه سالفا . فإنه سرعان ما يتكلم بمودة قائلا : ما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشر ما جئتهم به . فأجابت صفية عمة الرسول وأخت عبد العزى : أي أخي أيحسن بك خذلان بن أخيك ؟ وفي ذلك الإجتماع كان موقف أبي طالب واضحا بالدفاع عن ابن أخيه ، وهو ما يعني الموافقة المبدئية على حرية التعبير والعقيدة لفرد من العائلة ، وكلنا يعرف أن أبا طالب لم يكن مسلما .

ورغم ما بدا عن عبد العزى الذي نزل قرآن ضده بسبب قطيعته مع الرسول وتحريض الناس عليه فإنه لم يتعدّ حدود اللباقة والكياسة ، ولعل الفترة التي تلت موت أبي طالب توضح أن أبا لهب كان رؤوفا وحاميا للرسول بعدما سمعه يقول عن أبي طالب : يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك . حيث قال أبو لهب للنبي : إمض لما أردت وما كنت صانعا ، لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت ، فها هو عبد العزى نزلت سورة تتوعده بالنار ورغم ذلك يعطف على الرسول ويناصره حتى جاء أبو جهل وقال لأبي لهب اسأل ابن أخيك محمدا أين مدخل أبيك ؟ فقال أبو لهب للرسول : أيدخل عبد المطلب النار يا محمد ؟ فقال : نعم ، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب . فقال أبو لهب : لا برحت لك عدوا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار . إذن ، فالعلاقة لم تكن أكثر من شجارات عائلية بين الرسول وعمه الشخص الذي يعرف في التاريخ أنه الأكثر عداء ضده ، ولأعطي مثالين آخرين بخصوص هذه العلاقة ، فعندما كان يطوف الرسول في الأسواق عند الحج " سوق مجنة ، سوق ذي المجاز .." عارضا دعوته على الناس ماذا كان يفعل عمه عبد العزى ؟ كان فقط يسير وراءه ويقول لا تسمعوه إنه كذاب . فلم يحدث أن ضربه أو هدده ، إنما يسير وراءه ليضحد أقواله ، وهو ما يمكن اعتباره الرأي والرأي الآخر ، وليس كما ستفعل دولة الإسلام السياسي عند نشأتها ، حيث قتلت كل هذه القيم لصالح التعصب الديني والاستبدادية . أما المثال الثاني فهو عندما نزلت سورة المسد بعد الاجتماع العائلي والتي شتمت عبد العزى وتوعدته وهجت زوجته ، الغريب ، أن كل المصادر التاريخية تقول أن زوجة عم الرسول جاءت تبحث عن الرسول لتعرف لماذا هجاها . ففي الذر المنثور أن زوجة عم الرسول جاءت عنده قائلة : يا محمد علام تهجوني ؟ قال إني والله ما هجوتك ما هجاك إلا الله ، قالت رأيتني أحمل حطبا ؟ أو رأيت في جيدي حبلا من مسد ؟ وهذا ما يؤيد بعض ما قاله المفسرون أن الحطب كناية على النميمة . وفي رواية أنها لما كانت قادمة كانت تقول : مذمما أبينا ، ودينه قلينا ، وأمره عصينا . فهي عند سماعها أن ابن أخ زوجها هجاها جاءت تبحث عنه ، مما يبين طبيعة العلاقة العائلية خصوصا بين عبد العزى وابن أخيه . ويبين شكل الصراع الذي يريد أمراء الدم تسويقه على أنه كان صراعا دمويا .

إذا كان هذا هو موقف بنو هاشم الواضح المساند جملة وتفصيلا ، فكيف كانت ردة فعل قريش ؟

لقد كانت قريش تأتي لأبي طالب ليكف الرسول عن شتيمة آلهتهم وتحقيرها " والغريب أنه اليوم يقتل المسلمون المجرمون الأبرياء ويبيحون دماءم بحجة التعدي على المقدسات ، فماذا نسمي تحقير آلهة قريش ؟؟؟ أليست تعديا وعدم احترام مقدسات الآخر ؟؟؟" ، لقد حسم أبو طالب موقفه قائلا للرسول : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك . فمهما شتم الآلهة أو عابها وتجاوز المقدسات فإنه محمي بعائلة أبي طالب . بل إنه حتى عندما عزم أبو جهل على التهجم على من تجاسر على شتيمة آلهة قريش المقدسة والتطاول عليها حينما قال: إني أعاهد الله لأجلس له يعني النبي غدا بحجر لا أطيق حمله فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم . فإنه لم يستطع لمس النبي متحججا برؤية جمل أراد أن يأكله ، لأنه يعرف أن بنو عبد المناف سوف يقتلونه بقتله لابن آخيهم رغم انه قال في لحظة غضب فليفعلوا بي ما يشاؤون وذلك دفاعا عن آلهة قريش . فباستثناء بعض النوايا ، لم تكن ثمة أية هجوم جسدي على النبي ، لأنهم يدركون جيدا أن قداسة الدم والعائلة أكبر بكثير من قداسة الآلهة . وهو ما حدث مع الخطاب أيضا عندما أراد قتل محمد فقالوا له : أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا ؟

لقد كانت قريش تحاول الرد عليه بنفس الطريقة حيث قال أحد المشركين لمحمد : يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسب إلهك الذي تعبد فأنزل الله: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ، وتورد السيرة كيف ذهب النظر بن الحارث إلى الحيرة واشترى أحاديث العجم وقدم يحدث بها في مكة ويقول هذه أحاديث كأحاديث محمد عن عاد وتمود وغيرهم .

أما بعض الاحتكاكات الجسدية فإنها لم تتعد شد القميص أو السخرية ،فمثلا جاء أحد من قريش ذات مرة وأمسك أحدهم بثياب محمد فقال أبو بكر : أتقتلون رجلا يقول ربي الله ؟ فأطلقه . وكما حدث مع مزحة عقبة بن أبي معيط عندما وضع أحشاء الجزور على محمد وهو ساجد فاستضحكوا على سبيل المزاح ، المزحة التي ستكلفه حياته حيث سيتم قتله شر قتلة . هذا الشخص عقبة بن أبي معيط كان أسلم ذات مرة في منزله حتى يأكل الرسول ، لأن الرسول حلف أن لا يأكل حتى يسلم عقبة ، وقد كان الرسول ضيفا عليه في داره . ولما شهد بن أبي معيط أن محمد رسول الله ، قالوا له كيف أسلمت ؟ قال إنما أسلمت حتى يأكل النبي وهو ضيفي . فأفراد قريش ومن بينهم بن أبي معيط لم يكونوا بلا أخلاق أو متوحشين ، بل كما أوردنا يمكن ملاحظة ومقارنة علاقة بن أبي معيط الكافر المعادي للإسلام بالرسول والمسلمين . فهو ينطق الشهادتين فقط ليأكل الرسول في منزله .

ولعل إسلام حمزة أكبر دليل على الانتصار للعائلة ، فذات مرة عندما عاد حمزة من الصيد ، أخبرته امرأة ماذا فعل أبو جهل بابن أخيه الرسول . فاحتمل الغضب وجاء إلى أبي جهل وهو جالس في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه رفع القوس وضربه فشجه ثم قال أتشتمه ؟ فأنا على دينه أقول ما يقول فرد على ذلك إن استطعت .

فإذا فهمنا طبيعة البنية السياسية الاقتصادية بين العائلات في قريش ، وكذا طبيعة العلاقات الاجتماعية يمكننا فهم الكثير من الأشياء التي يحاول تاريخ الإسلام السياسي محوها . لقد قال الرسول ذات مرة في بدايات الدعوة بعدما ضايقه أحد المشركين مستهزئا منه : أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح . وهو كان يعرف ما يقول ويعرف أفاق الصراع التي سيتوجه إليها الإسلام السياسي فيما بعد .

أما الإساءات للمسلمين فيمكننا استحضار كمثال ما وقع لبعض الصحابة : إن أبا ذر الغفاري قال بصوت مرتفع وسط قريش وهو من قبيلة أخرى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقاموا إليه يضربونه فجاء العباس وقال لهم : ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم عليه فخلوا عنه . فكما يلاحظ أن أبا ذر ليس حتى من تلك القبيلة وجاء يصرخ وسط القبيلة الأخرى مستفزا إياهم ، ورغم ذلك لم يقتلوه ، خشية الحرب مع القبيلة الأخرى .

أما خالد بن سعيد بن العاص عندما أسلم ضربه أبوه وقال له أخرج من منزلي فلن أطعمك وكان هذا كل شيء . وعندما خرج أبو بكر في الناس خطيبا عندما كان يتعبد المسلمون في دار الأرقم ، جاؤوا يضربونه حتى وصلت بنو تميم يتجارون فأجلتهم عنه وحملوه وقالوا لئن مات أبو بكرلنقتلن عتبة . فكل الصحابة الأحرار كانوا يلقون دعما من عائلاتهم ومنعة ، ولم يكن يجرأ أحد على الاقتراب منهم .

تبقى بعض حالات التعذيب في حق العبيد والإماء ، وبالنظر للشروط التاريخية التي تكرس عبوديتهم ودونيتهم فكانوا هم من تعرض للأذى ، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحدث عن حرية التعبير أو التدين بالنسبة للعبيد ، لأنهم أصلا عبيد بالرجوع للظرفية التاريخية ، وحتى لما جاء الإسلام ساير هذه التشريعات بخصوص العبودية ، وكرسها حتى في مسألة القتل ، عندما جاء القصاص بأن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى كآية قرآنية ، ومن تم يكون أنه لو قتل الحر عبدا فإنه لا يقتل الحر القاتل بالعبد ، وهذا موضوع آخر . لكن أردنا الإشارة إليها حتى لا يتم سوق بعض أمثلة عبيد تم التنكيل بهم وأذيتهم ، فالأمر لم يكن دينيا ، بل كان بمثابة تمرد سياسي يحدث في صفوف العبيد ، وكذا خسارة اقتصادية بالنسبة لمن يملكون هؤلاء العبيد .

إن قريش كانوا على استعداد لرأب الصدع والتصالح مع الرسول حتى لو تنازلوا على الكثير من مبادئهم وهو ما يظهر جليا أكذوبة تعصبهم للآلهة . فعندما كانت الهجرة الأولى للصحابة إلى الحبشة وقرأ الرسول في مكة والنجم إذا هوى ، عندما وصل إلى مناة الثالثة الأخرى أضاف : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ، فسجد وسجد القوم جميعا المسلمون والكفار ، فقام المشركون يصفقون إيذانا منهم بالتسامح والفرحة ولم الشمل ، وقالوا للرسول : عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده .وهو ما دفع بمن كان في الحبشة لما سمعوا بالصلح بالعودة . لكنه سرعان ما سيعود الرسول إلى مهاجمة تلك الآلهة ، وانتهاء تلك الحادثة التي لم تعمر سعادتها طويلا على قريش .

وعندما ضاقوا درعا بالنبي ، اجتمعوا على منابذة بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف ، فدخلت عائلة الرسول مؤمنهم ومشركهم إلى الشعب في السنة 7 من النبوة لحماية الرسول من احتمال إمكانية القتل . ولم يدخل معهم طبعا عبد العزى لأنه كان يرى أن أمر الدفاع عن ابن أخيه لا يعنيه . لقد أمر أبو طالب بني هاشم وبني المطلب أن يدخلوا الشعب وأن يحموا محمدا بعد أن اتفقت قريش أن لا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم ولا ينكحوهم ولا ينكحوا إليهم ... في حادثة اتفاق الصحيفة الشهير . هذا التضييق ، الذي سرعان ما انهار حيث كان أول من نقضه زهير عندما طاف بالبت وقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى ؟ ولما احتج أبو جهل ، تدخل زمعة بن الأسود مجيبا أنهم لم يرضوا بكتابة الصحيفة ضد عائلة النبي ، وأكد ذلك أبو البحتري والمطعم ، فعندما رأى أبو جهل ذلك من الرجال واتفاقهم على نقض الصحيفة قال : هذا أمر قضي بالليل . فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فشقها ، وهذا يثبت أن الأرضة لم تأكل بنود الصحيفة بل أكلت باسمك اللهم . ومن بين هؤلاء الأشخاص الذين نقضوا الصحيفة مات مشركا ولم يؤمن . إنهم فعلوا ذلك لأنهم لم يرضوا بأن تهلك عائلة من قريش وليس لأنهم مسلمون .

ماذا حدث إذن ، حتى يكون كل ذلك القتل بين قريش ودولة الإسلام السياسي ؟

لقد ورد في باب استخفاء الرسول في دار الأرقم بن الأرقم مع أصحابه ، بعد أن دعا 3 سنوات سرا وكانوا يذهبون إلى الجبال للصلاة والتشاور ، جاء مشركون فتشاجروا معهم ، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحى بعير فشجه فهو أول دم أهرق في الإسلام . إن أول من أهرق الدم في قريش لم يكن عبد العزى ولا كان أبا جهل ولا كان أحدا من قريش ، فأول دم سقط كان من طرف شخص مسلم . وهو ما دفعهم إلى الاختباء في دار الأرقم وهم حوالي 39 فردا . إن الأقلية المسلمة هي من قتلت أولا ، قبل أن يبدأ حتى التضييق وتعذيب العبيد .

لماذا كان المسلمين هم أول من قتل ؟ قال الرسول : فضلت على الأنبياء لم يعطهن أحد كان قبلي ، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت أمتي خير الأمم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت الكوثر ونصرت بالرعب . وقال في بيعة الرضوان للوفد من الأوس والخزرج عندما قالوا له أنه بينهم وبين اليهود عهودا وأنهم سيقطعونها فإياك أن ترجع لقومك وتتركنا ، أجابهم : الدم الدم ، الهدم الهدم .

يمكننا أن نفهم طبيعة التنظيمات المتطرفة الإجرامية الراهنة بالرجوع إلى دولة الإسلام السياسي ، وإلى العشر سنوات الأولى لإنشائها في المدينة بعد الهجرة ، فإن كانت لم تنشب طيلة 13 سنة من الدعوة المكية أية حرب بين المسلمين وقريش ، فإن عشر سنوات بالدولة الإسلامية بالمدينة شهدت 27 غزوة أولها البواط ، وبشكل مباشر أول غزوة أشرف عليها الرسول شخصيا تكون غزوة بدر ، وحوالي 50 سرية ، فهذا رقم مرعب . وإن كنا قد قلنا سابقا أنه أول قتيل في مكة كان مشركا سقط بيد الصحابي سعد بن أبي وقاص ، فإن لا غزوة البواط ولا غزوة بدر ، فإنهما قراران من الدولة الإسلامية بشن العدوان ومحاولة السطو على قوافل قريش التي كانت آمنة من جوع ومن خوف لعقود طويلة . وهذا بطبيعة الحال هو أول إعتداء منظم ، إن اعتبرنا قتل سعد بن أبي وقاص للقرشي المشرك هو حادثة منفردة . الأمر الذي سيجر معه سنوات طويلة من الحرب ، هذه السنوات الطويلة ستجر معها عقودا ، وهذه العقود جرت معها قرونا إلى اليوم . لا يمكننا أن نقول أن دولة الإسلام السياسي نشرت الإسلام بالورود والدعوة ، لقد تم الغزو المسلح بالإكراه والقتل والسبي . حيث ستختفي آيات مكة وستصبح في عداد المنسوخ كل آيات " واصبر " ، " لكم دينكم ولي دين " ... ليحل محلها " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني محمد رسول الله ، فإن قالوها عصموا مني أموالهم ودمائهم إلا بحقها " .

إن تحكيم سعد بن معاذ الشهير بضرب أعناق كل الرجال وقسمة الأموال وسبي الدراري والنساء " صفية زوجة الرسول كانت من غنائم ذلك التحكيم " ، وكذا أحكام الردة ، والاغتيالات السياسية التي تمت في حق الكثيرين من المعارضة مثل كعب بن الأشرف ، والتشريع للغنائم ، والعدد الهائل للغزوات من أجل إخضاع القبائل ... هي الجذور الحقيقية للإرهاب الإسلامي الراهن .

فلا اختلاف في الجوهر الفكري الذي يؤمن بالحقيقة الواحدة بين سعد بن أبي وقاص وبن لادن ، ولا فرق بين خالد بن الوليد والزرقاوي ...

علينا أن نفهم لماذا الإسلام اليوم له مشاكل مع كل الديانات من اليهودية أو المسيحية أو الهندوسية ... وكل هؤلاء الديانات واللاديانات لهم المشكل ذاته مع الإسلام ويعتبرونه إرهابيا ، إنها نفس الإجابة ، لماذا لم يكن لقريش والقبائل العربية مشكلة مع الأنبياء العرب الذين كانوا قبل الرسول محمد ، بينما كانت لهم مشاكل وحروب طويلة مع الإسلام انتهت بإطاحة رؤوسهم
أبو قثم

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire